المقريزي

246

المقفى الكبير

الحسين [ حربويه ] . وكان جلدا . وكانت فتيا أكثر أهل مصر في وقته إليه ، وحدّث بشيء يسير . وقال ابن الطحّان : يروي عن محمد بن عمر الأندلسيّ ، وكان من أهل الستر والتعبّد . وقال ابن حارث : كان فقيه مصر في وقته ، وكانت له حلقة في جامعها ، وبه يلوذ كلّ مالكيّ بها إلّا قليلا . وتناظر [ 219 ب ] عنده فقهاء من القرويّين . وكان يجلس للتفقّه بجامع الفسطاط من صلاة الصبح إلى الزوال ، ومن الظهر إلى العصر . وقال الشيخ أبو إسحاق [ الشيرازي في طبقات الفقهاء ] : تفقّه على يوسف بن يحيى المغاميّ « 1 » ، وسمع منه أبو الطاهر محمد بن عبد الغنيّ . وقد تقلّد أبو الذكر هذا قضاء مصر مرّتين : الأولى بعد أبي عبيد ابن [ حربويه ] [ إذا ] استخلفه أبو يحيى عبد اللّه بن إبراهيم بن مكرّم البغداديّ ، قاضي بغداد وفلسطين والرملة ومصر من قبل المقتدر باللّه . وذلك أنّ ابن مكرّم لمّا تقلّد القضاء [ ببغداد ] كتب [ كتابا ] إلى أبي الحسين محمد بن عبد الوهّاب صاحب خراج مصر [ ومدبّر أمرها ] وضمّنه كتاب السلطان إلى أبي عبيد [ بن حربويه ] بالتسليم [ والصرف ] ، وكتب أيضا إلى أربعة [ من أهل مصر - منهم أبو جعفر الطحاوي ] أن ينظروا رجلا يصلح للقضاء . فلمّا ورد الكتاب بصرف أبي عبيد لم يكن في نفس أبي الحسين بن عبد الوهّاب [ عامل مصر ] أنفس من أبي جعفر الطحاويّ فأرسل إليه ودفع له الكتاب فأخذه أبو جعفر ، واشتهر أمر الكتاب فأمسك أبو عبيد عن الحكم . وخشي الجماعة أن يحتوي أبو جعفر على الأمر كلّه ويصيروا أتباعا له ، فاتّفقوا على أن لا ينظر واحد منهم واجتمعوا عند أبي الحسن علّان بن سليمان أحد الشهود ، ونظروا من يصلح فوقع اختيارهم على أبي بكر محمد بن عليّ العسكريّ الشافعيّ أحد الشهود وسألوه فامتنع . هذا وكلّهم لا يريد الطحاويّ ، فقال لهم أبو العبّاس موسى بن عبد الملك : أنا أعرف لكم رجلا طوع أيديكم ، فأنا أراعيه كلّ ليلة ينظر في حلقة المالكيّين ، وقد كنت عرضت عليه النظر في الأحباس فامتنع . قالوا : من هو ؟ قال : أبو الذكر التمّار . قالوا : يصلح . وتعصّبوا له لأنّه لم يكن فيهم إلّا مالكيّ ، فاحتالوا على الطحاوي حتى أخذوا الكتاب منه ومضوا به إلى أبي عبيد ، فلمّا دخلوا عليه بأبي الذكر ليتسلّم منه قال له : « تسمّ ! » فتسمّى له ، فقال لهم : أليس الرجل الذي طلبته منكم لقضاء أسوان فما رضيتموه ؟ أتيتموني في ساعة واحدة بقاضي مصر ! ثمّ دعا بالديوان فسلّمه إليه لليلتين خلتا من ذي القعدة سنة إحدى عشرة وثلاثمائة . فنظر في الأحكام والأموال ، وتصلّب في طلب الحساب من الأمناء وبالغ في ذلك ، فكان من جملة المطلوبين في ذلك الفقيه أبو بكر محمد بن أحمد الحدّاد . وقلق جماعة من أهل البلد بخروج القاضي أبي عبيد [ بن حربويه ] من القضاء والبلد وتأسّفوا على فراقه فأخذوا في تشييعه . فأرسل إليهم [ أبو الذكر ] يمنعهم من ذلك وقال لهم : « في أيديكم أموال فسلّموها ! » [ 220 أ ] وأسمعهم المكروه . فتأخّروا

--> ( 1 ) المغاميّ القرطبي ( ت 288 ) : أعلام النبلاء 13 / 336 ( 155 ) .